السيد محمد تقي المدرسي
258
من هدى القرآن
2 - دوره في إقامة حكومة الله في المجتمع ، وهو لا شك فضل كبير ، والكثير من الإنفاق والقتال الذي يلي الفتح إنما بفضل الانتصار الذي ارتفع بسببه الحرج ، وصلحت الظروف المضادة ، والكثير من الناس مستعدون للإنفاق في ظل المجتمع المسلم أكثر من استعدادهم للإنفاق في ظل الحركة من أجل بناء المجتمع المسلم بالذات إذا كانوا يستضعفونها ، ولعله لو لم يَنْبَرِ لدعم الرسالة أولئك السابقون ما كانت تقوم قائمة . 3 - لأن الإنفاق والقتال قبل الفتح أكثر صعوبةً وتحديًّا بالنسبة للإنسان ، فقد يجر عليه الكثير من الويلات والمشاكل ، إذا عرفه أعداء الرسالة كالأنظمة الفاسدة ، ويكفيه فضيلة أنه يقاوم به في ظروف أكثر معاكسةً وتحديًّا ، حيث الناس كلهم متقاعسون ، والنبي صلى الله عليه وآله يشير إلى هذه الحقيقة إذ يقول : « أَفْضَلُ الَأعْمَالِ أَحْمَزُهَا » « 1 » . أما بعد الانتصار والفتح فقد يكون الإنفاق سبيلا إلى المجد الاجتماعي . إن الإنفاق قبل الفتح يدل على عمق الإيمان ، لأن على المنفق يومئذ أن يجتاز ثلاث عقبات : عقبة حب المال ، وعقبة الضغوط السياسية ، وعقبة التحديات الاجتماعية . . كذلك يكون إقدامه على القتال وإنفاقه نابعا حينها من روح إيمانية خالصة ، وليس من اختلاط الدوافع والدواعي : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ولكن لا ينبغي أن يكون هذا التفاضل سببا للتعالي عند فئة ، ولا لليأس والإحساس بالضعة عند الأخرى ، كما لا يعني أن اللاحقين لا حَظَّ ولا فضل لهم ، كلا . . وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى يعني الجنة والرضا والجزاء ، ويؤكد القرآن في نهاية الآية أن التفاضل ليس لمجرد الانتماء إلى صفوف المجاهدين الرساليين قبل الفتح ، ولا لعوامل ذاتية تنحصر في ذلك الجيل ، كلا . . إنما التفاضل بالأعمال الصالحة التي يحيط بها علم الله وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ إذ لا يكفي أن يتفاخر الجيل السابق بأمجاده الغابرة ، ويتوقف عن العمل اعتمادا على ذلك التفضيل ، ولعل في هذه الخاتمة إشارة لطيفة إلى موقف الإسلام من صراع الأجيال ، ففي الوقت الذي يعترف فيه بوجود الأجيال بل بتمايزها ، لا يدعوها للصراع ، بل يدفعها باتجاه الالتحام والتعاون والتسابق البَنَّاء في ميدان السعي والعمل . [ 11 ] ويجادل البعض : ما دام لله ملك السماوات والأرض ، وهو على كل شيء قدير ، فلماذا يأمرنا بالإنفاق ؟ ويقول ربنا عن مثل هؤلاء : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ يس : 47 ] ، كل ذلك تبريرا لتخلفهم عن الحق ، وسعيًّا للتملص من المسؤولية ، ولكن المؤمنين يدركون
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 67 ص 191 .